محمد كرد علي
49
خطط الشام
ولم يقتبس الأتراك من الأمم المغلوبة شيئا ، وتشددوا في أن يظلوا على بربريتهم . ولم تتأصل الأرستقراطية الوراثية في جانب الاستبداد المطلق ، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي قضي بها على الأمة العثمانية أن تبقى في حالة الهمجية . وكل من درسوا سير المجتمعات يدركون أن بالأرستقراطية تتهذب الأخلاق وتتثقف عادات الشعوب ، وبالطبقة المتوسطة تنتشر المعارف وتبدأ المدنية . « إن فقدان طبقة الأشراف أو العالية في الحكومات الشرقية لم يبين لنا سرعة انحلال هذه الحكومات فقط ، بل إنه حلّ لنا معنى جمود الفكر الإنساني في هذا الضرب من الحكومات ، وكيف لم يتقدم قيد غلوة . وما كان في المساواة المطلقة ، ومن حكومة تغار من كل ما لا تكون هي منشأه ومصدره شيء من المنافسة والقدوة وحب المجد ، وبدون هذه الأسباب يقضى على كل مجتمع أن يبقى في الجهل الأعمى الذي كان عليه لأول أمره ، وأن يفقد معظم مزاياه ومصالحه . وبالنظر لزهد الأتراك في العلوم والآداب ظلت أعمال الصناعة والزراعة والملاحة في أيدي مواليهم وكانوا في الحقيقة أعداءهم ، ذلك لأنهم كانوا يشمئزون من كل جديد ، ومن كل ما لم يحملوه معهم من آسيا ، فاضطروا أن يلجأوا إلى الأجانب في كل ما اخترع ونظم في أوروبا ، وهكذا لم يكن لهم نقض ولا إبرام في مصادر سعادتهم وقوتهم ، وفي متانة جيوشهم وأساطيلهم . ولا يخفى ما أضاعه الأتراك بونائهم عن السير في معارج الرقي العسكري الذي أصاب منه الأوربيون قسطا موفورا ، ولما كان الشأن في حروبهم لجيوش متحمسة بالتعصب كانت الغلبة لهم ، فلما جاء دور العلوم البشرية وما أبرزته عقول الناس من المخترعات والمكتشفات ، كان العقل المساعد هو المحد من الشجاعة . « شبه بعضهم جيش الإنكشارية العثمانية بطوائف البرتوريان من الرومان ، في حين كان هؤلاء منتخبين ، وما جرى على خاطر الأتراك قط أن يختاروا أميرهم سواء في ذلك شعوبهم وجيوشهم . وكانت مصلحة الإنكشارية تقضي أن يلقوا الاضطراب في المملكة لئلا يخلو لها الجو فتستفيد شيئا من الجديد . أما الأتراك الذين توطنوا في يونان فكانوا يحترمون العادات القديمة أكثر من